محمد بن أبي بكر الرازي
26
حدائق الحقائق
وقيل : التوبة : ترك التسويف [ وترك المماطلة ] « 1 » . وقال بعضهم : التوبة : أن ترجع عن كل شئ سوى اللّه ، عز وجل ، وتقطع كل علاقة بينك وبين غيره . كما قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً « 2 » . وروى : ( أن رجلا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ) فقال له : إني أتصدق بالصدقة فألتمس بها وجه اللّه ، وأحب أن يقال فىّ خير » « 3 » فنزلت هذه الآية . وقال ذو النون « 4 » ، رحمه اللّه : حقيقة التوبة : أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، وتضيق عليك نفسك ، وتظن أن لا ملجأ من اللّه إلّا إليه . كما قال اللّه تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ « 5 » .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من النسخة ( ذ ) . ( 2 ) الآية رقم ( 110 ) من سورة الكهف . ( 3 ) حديث : « جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . . . » أخرجه هناد في الزهد ، عن مجاهد رضى اللّه عنه ، وانظر الامام السيوطي : ( الدر المنثور ) 5 / 469 . وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس رضى اللّه عنهما في قوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية ، قال : نزلت في المشركين الذين عبدوا مع اللّه إلها غبره ، وليست هذه في المؤمنين ، وعندنا أنها تصح في كل هذا ، ويغيره أيضا . ( 4 ) ( ذو النون ) هو : أبو الفيض ، ثوبان بن إبراهيم ، الإخميمى ، المصري ، الملقب ب ( ذي النون ) كان نوبيّا ، توفى ، رحمه اللّه ، على أرجح التقديرات سنة 248 ه روى الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من طريق ( الليث بن سعد ) وغيره ، مثل حديث : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » وسئل ذو النون ( ما أخفى الحجاب وأشدّه ؟ ) قال : « رؤية النفس وتدبيرها » . انظر في ترجمته : الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري ، لابن عربى ، بتحقيقنا ، أبو نعيم : حلية الأولياء 9 / 231 ، الشعراني : الطبقات الكبرى 1 / 81 ، الرسالة القشيرية 10 ، ابن الجوزي : صفة الصفوة 4 / 287 ، ابن العماد : شذرات الذهب 2 / 107 ، السلمى : طبقات الصوفية 15 ، ابن كثير : البداية والنهاية : 10 / 347 ، المناوي : الكواكب الدرية 1 / 400 . النبهاني : جاامع كرامات الأولياء 1 / 623 ، وفي النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى أنه توفى 245 ه ، انظر : النجوم الزاهرة 1 / 320 . ( 5 ) الآية رقم ( 118 ) من سورة التوبة .